عمل بعض أبناء سواكن في طفولتهم ببيع اللقيمات والطعمية والفول للحجاج والمسافرين قبل الذهاب إلى المدرسة صباحًا. وتكشف هذه الذكريات عن مدينة اعتمدت على الحركة الموسمية، وجمعت في حياة أبنائها بين الدراسة والعمل والبحر والميناء، ضمن إيقاع يومي فرضته مواسم السفر، وحاجات القادمين إلى المدينة.

من الدفتر
كان موسم الحج من أهم مواسم النشاط في سواكن، إذ استقبلت المدينة حجاجًا قدموا من السودان ودول الجوار وأفريقيا الغربية، ومنها نيجيريا وتشاد. وازدهرت التجارة خلال تلك المواسم، فبيعت الأطعمة والحاجات الصغيرة والخدمات للحجاج والمسافرين، ونشطت الحركة في الميناء والأسواق، وازدادت صلة المدينة بالطرق البحرية. كانت جزيرة سواكن مركزًا لطبقة من التجار والأعيان، ضمت أشخاصًا من أصول هندية وتركية وحجازية ويمنية. جاء هؤلاء مع حركة التجارة والحج، واستقر بعضهم في المدينة، فغدت سواكن فضاءً مختلطًا يجمع تأثيرات البحر الأحمر والهند والحجاز وشرق أفريقيا ضمن مجتمع تجاري متنوع ومتصل بالموانئ والمسافرين. عمالة الأطفال في مناجم الذهب بالفلبين ظاهرة تدفع فيها الحاجة الاقتصادية بعض الصغار إلى دخول فتحات ضيقة وعميقة بحثًا عن ذرات الذهب. يقضي الأطفال ساعات في الطين والماء والظلام، ويتنفسون عبر أنابيب بدائية، بينما يحل العمل القاسي محل التعليم ويهدد طفولتهم وصحتهم اليومية. تستطيع الروائح استدعاء ذكريات شخصية قديمة مرتبطة بطفولة أو منزل أو شخص أو حدث مهم، وغالبًا ما تصحبها مشاعر قوية. وقد تبدو هذه الذكريات أقدم وأكثر عاطفية وإحساسًا بالعودة إلى الماضي من الذكريات التي تستدعيها الصور أو الكلمات، لكنها ليست بالضرورة أدق أو أكمل، لأن الذاكرة تعيد بناء التجربة. بدأت مكانة سواكن تتراجع مع إنشاء ميناء بورتسودان في أوائل القرن العشرين. وانتقل كثير من التجار والهنود وأصحاب الأعمال إلى الميناء الجديد، بينما بقي في سواكن سكانها الأصليون وبعض الأسر البسيطة التي ظلت مرتبطة بالمكان والبحر وذاكرة المدينة القديمة، رغم انحسار النشاط التجاري السابق.