ترك أبو العلاء المعرّي عددًا كبيرًا من التلاميذ، وتحول منزله بعد اعتزاله الناس إلى مركز يقصده طالبو العلم من جهات مختلفة. وأسهم تفوقه اللغوي في ترسيخ مكانته، حتى قال أبو بكر التبريزي: «ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعرّي»، وهو تقدير لمعرفته باللغة العربية وسعة إحاطته بها.

من الدفتر
اتهم عدد من العلماء المسلمين أبا العلاء المعرّي بالزندقة، ومن أبرزهم ابن كثير وابن القيم. ورأى كثير من الباحثين أن المعرّي انتقد العقائد الإسلامية انتقادًا صريحًا. وقال أبو الفرج بن الجوزي: «زنادقة الإسلام ثلاثة؛ ابن الرواندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعرّي»، في تعبير يوضح موقف أحد خصومه. انتقد أبو العلاء المعرّي حكام عصره، ورأى أنهم يستغلون الدين لتحقيق مكاسب سياسية. كما استاء من طموح العلماء إلى تولي المناصب السياسية، فدفعه ذلك إلى اعتزال المجالس العلمية. وامتنع عن أكل اللحوم ومشتقاتها نحو خمسة وأربعين عامًا شفقة على الحيوانات، وربما كان من أوائل النباتيين في التاريخ الإسلامي. رأى أبو العلاء المعرّي الحياة شرًا عظيمًا، ففضّل ألّا يتزوج وألّا ينجب، وأوصى أن يُكتب على قبره: «هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد». كما رأى أن الأجساد البشرية سجون للأرواح، وأن الوجود الحقيقي يكمن في الوجود الروحي، فغلب التأمل على نظرته إلى الحياة. دعا أبو العلاء المعرّي إلى إعادة تأهيل العقل البشري بتطهيره من المعتقدات التي يكتسبها الإنسان من علاقاته الاجتماعية، إذ رأى أن تلك العلاقات قد تكون مضللة. واتسمت آراؤه في العقائد والأديان بالتباين؛ فانتقد بعضها بشدة، وأجلّ بعضها الآخر، مما جعل فكره موضع نقاش دائم. وُلد أبو العلاء المعرّي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمئة للهجرة، الموافق سنة ثلاث وسبعين وتسعمئة للميلاد، في مدينة معرة النعمان الواقعة جنوب محافظة إدلب السورية. ونشأ في أسرة مهتمة بالعلم، فتولى والده تعليمه اللغة وعلومها والدين وعلومه في سنواته المبكرة.