رفض ابن النفيس الاعتقاد القديم بوجود مسام غير مرئية في الحاجز الفاصل بين بطيني القلب تسمح بمرور الدم مباشرة من اليمين إلى اليسار. وأكد أن الحاجز مصمت، وأن الدم لا بد أن يمر عبر الرئتين قبل وصوله إلى الجانب الأيسر، وهي ملاحظة كانت أساسية في وصفه للدورة الرئوية.

من الدفتر
لم تقتصر مؤلفات ابن النفيس على الطب، بل كتب أيضًا في الفقه وأصوله والمنطق والفلسفة واللغة وعلم الكلام. تعكس هذه المجالات اتساع ثقافة علماء عصره، إذ كان الطبيب والفقيه والفيلسوف قد يجمع أكثر من تخصص في مسيرته العلمية، وهو ما يظهر بوضوح في مؤلفات ابن النفيس المتنوعة. وصف ابن النفيس انتقال الدم من البطين الأيمن إلى الرئتين عبر الشريان الرئوي، ثم عودته إلى الجانب الأيسر من القلب عبر الوريد الرئوي بعد مروره في الرئة. ويُعد هذا الوصف من أقدم التفسيرات الدقيقة للدورة الدموية الرئوية، وقد سبق الوصف الأوروبي المعروف لها بعدة قرون. تميّز ابن النفيس بنقد آراء الأطباء السابقين بدل قبولها لمجرد شهرتها، واعتمد على الملاحظة والتحليل التشريحي والمنطق الطبي في مناقشة وظائف الأعضاء. وكان من أبرز أمثلة استقلاله الفكري رفضه بعض أفكار جالينوس وابن سينا المتعلقة بانتقال الدم داخل القلب، واقتراحه تفسيرًا مختلفًا لمساره. سبق ابن النفيس الطبيب الإنجليزي "وليام هارفي" بعدة قرون في وصف مرور الدم عبر الرئتين، لكن لا توجد أدلة حاسمة تثبت أن هارفي نقل اكتشافه عنه مباشرة. نشر هارفي سنة ١٦٢٨ وصفًا تجريبيًا للدورة الدموية العامة وحركة الدم المستمرة في الجسم، وهو إنجاز مختلف وأوسع من وصف الدورة الرئوية وحدها. يُعد كتاب "شرح تشريح القانون" من أهم مؤلفات ابن النفيس، وفيه ناقش تشريح القلب والرئتين وقدم وصفه الشهير للدورة الدموية الرئوية. جاء الكتاب تعليقًا نقديًا على أجزاء تشريحية من "القانون" لابن سينا، وأظهر فيه ابن النفيس استقلاله عن آراء السابقين عندما خالفت ما توصل إليه.