أكد محمد عابد الجابري أن سؤال قراءة التراث لا يطلب جوابًا فوريًا فحسب، بل يعبّر عن ضرورة مباشرة مهمة القراءة نفسها. ويرتبط ذلك بفهم الأبعاد الفكرية التي يصدر عنها السؤال، وبالسعي إلى بناء منهج يتعامل مع التراث موضوعًا للفحص والممارسة النقدية، لا مادة تنتظر إجابة جاهزة أو عابرة.

من الدفتر
دعا محمد عابد الجابري إلى القطيعة المعرفية مع التراث عند نقده، واقترح قراءة جديدة تجعله معاصرًا لنفسه ولمتطلبات الزمن الحاضر في آن واحد. وتقوم هذه القراءة على التعامل النقدي مع التراث من داخله، لا على رفضه رفضًا مطلقًا أو قبوله دون فحص، بما يتيح استعادة صلته بالأسئلة الراهنة. رأى هشام غصيب أن محمد عابد الجابري وقع في منهج المقارنة بين العقل العربي وما هو قائم وجاهز، بدل البحث في ماهية العقل العربي نفسه. واعتبر أن الجابري يقيس العقل العربي على عقل غيره، فيفكر بالطريقة ذاتها التي ينتقدها ويعترض عليها، بدل فحص العقل العربي في ذاته. قال جورج طرابيشي إن محمد عابد الجابري ألغى العلمانية وعدّها مشروعًا غربيًا لا يصلح للإسلام. ورأى طرابيشي أن العلمانية أعمق جذورًا وأكثر حضورًا في التاريخ الإسلامي مما هي في التاريخ المسيحي، خلافًا للتصور الذي نسبه إلى الجابري، وبما يجعلها متصلة بالتاريخ الإسلامي اتصالًا أعمق. رأى محمد عابد الجابري أن تطوير العقل العربي وتجديده يقتضيان ممارسة الفكر القديم والعيش معه ونقده من الداخل، لا رفضه بصورة مطلقة. واعتبر أن رفض التراث العربي الإسلامي قد يقود أصحابه، بغير وعي، إلى تبني تراث آخر وجعله أساسًا لمنظومتهم المعرفية، بدل بناء التجديد على نقد التراث نفسه. رأى محمد عابد الجابري أن النهضة العربية المعاصرة قامت على أساس توفيقي يجمع بعض الماضي والاستفادة من الحضارة الحديثة بما ينسجم مع التراث، وعدّ ذلك خطأ فاحشًا؛ لأن الاستمرارية، في نظره، لا تتحقق بواسطة عنصر خارج عن جوهرها، بل من داخل بنيتها الفكرية والثقافية.